تحوّلت تخفيضات «بلاك فرايدي» أو الجمعة السوداء، التي كانت يومًا ما مجرد حدث تسوق في أمريكا، إلى أحد أكبر المحركات العالمية للتجارة الإلكترونية والنقل. فالنمو السريع للمشتريات عبر الإنترنت في هذا اليوم يوجّه كل عام موجة غير مسبوقة من الطلبات إلى شركات النقل والمستودعات ومراكز التوزيع في أنحاء العالم، بحيث تقترب الطاقة المتاحة لدى كثير من الشركات من حد التشبع، وتُوضع الأساليب التقليدية لسلسلة الإمداد أمام التحدي.
وقد أحدثت شركات كبرى مثل Alibaba وAmazon وMercado Libre، لمواجهة هذا التحدي، تحولًا في نماذج عرض البضائع وتسليمها من حيث السرعة وجودة الخدمة. فقد جعلت أمازون، بتوحيد معيار «التسليم في اليوم نفسه»، السرعة أحد المعايير الرئيسية للمنافسة في السوق. كما أثبتت علي بابا أن إدارة مشتريات بمليارات الدولارات في بضع ساعات لا تكون ممكنة إلا بالاعتماد على تحليل البيانات والأتمتة واللوجستيات الذكية. وفي أمريكا اللاتينية أيضًا تدير شركة Mercado Libre بشبكتها الواسعة هذا الضغط الناتج عن الطلب بشكل جيد.
وبعبارة أخرى، إذا كانت شركات النقل في الماضي تواجه طلبات يمكن التنبؤ بها، فإن سلوك الشراء عبر الإنترنت في أيام مثل الجمعة السوداء يتسبب حاليًا في انفجار مفاجئ في تسجيل الطلبات. بل إن العملاء في هذه الأيام يعدّون التسليم خلال أيام أو حتى ساعات حقًا طبيعيًا لهم. لذا تحتاج الشركات، للتنسيق بين الشراء والتخزين ومعالجة الطلبات وتسليم البضائع، إلى أدوات رقمية متقدمة. ولهذا أصبح استخدام تقنيات مثل الذكاء الاصطناعي، والتتبع اللحظي، و أنظمة إدارة المخزون وخوارزميات التنبؤ بالطلب ضرورة.
وقد دفعت هذه الزيادة في الطلب شركات النقل واللوجستيات إلى القيام باستثمارات واسعة في تطوير البنى التحتية. فعلى المستوى الدولي يجب أن تمتلك الموانئ قدرة تحميل أسرع، وتحتاج الخطوط الجوية والبحرية والبرية إلى تخطيط أدق، ويجب أن تعمل مراكز التوزيع بطاقة أكبر وسرعة أداء أعلى. لذا اتجهت كثير من الشركات نحو النماذج الهجينة ودمج الخدمات واستخدام الأساطيل الذكية لتتمكن من تلبية احتياجات العملاء في هذه الأيام.
والحقيقة أن الجمعة السوداء لم تعد حدثًا اقتصاديًا فحسب، بل اختبار لتقييم مرونة أنظمة النقل العالمية أمام زيادة الطلب. ويُظهر هذا اليوم أن الحد الفاصل بين التجزئة واللوجستيات أصبح رفيعًا جدًا، وأن الشركات القادرة على توظيف مزيج من التقنية والسرعة والإدارة القائمة على البيانات ستفوز في هذه المنافسة. لذا يجب أن تكون الشركات العاملة في هذا المجال مستعدة، إلى جانب الاستجابة للعملاء، لابتكار معايير جديدة في صناعة النقل واللوجستيات أيضًا.
مصدر الخبر






