يُتوقع أن يترك التحول الرقمي آثارًا كبيرة وطويلة الأمد في صناعة النفط والغاز والبتروكيماويات؛ إذ تؤدي الحلول الناتجة عن هذا التحول في هذه الصناعات إلى تحسين الإنتاجية وتوفير هائل في التكاليف. ومن جهة أخرى، تجعل ضرورة الالتزام باللوائح البيئية لهذه الصناعة وضمان الأمن الاقتصادي الرقمنةَ حلًا مناسبًا لمواجهة هذه التحديات.
يمكن لتقنية إنترنت الأشياء والبلوك تشين وتحليل البيانات وكذلك التوائم الرقمية (التمثيل الرقمي لعملية أو شيء أو منتج مادي) أن تُستخدم بوصفها حلولًا فعّالة في تبسيط الأقسام المختلفة لصناعة النفط والغاز والبتروكيماويات، وهو ما سيؤدي في النهاية إلى خفض التكاليف وخفض انبعاثات الغازات الدفيئة. ومن جهة أخرى ستُحدث المركبات ذاتية القيادة وأدوات الاستكشاف الجديدة تحولًا في طريقة الوصول إلى احتياطيات النفط والغاز في عمليات المنبع لهذه الصناعة. وبهذه المقدمة نلقي نظرة على كيفية تأثير الأدوات الرقمية في هذه الصناعة.
الاستثمار المتنامي في رقمنة صناعة النفط والغاز والبتروكيماويات
يحظى حاليًا تطوير سلاسل توريد قوية في صناعة النفط والغاز العالمية باهتمام خاص بوصفه أداة حيوية لتعزيز الاستقرار الاقتصادي وزيادة قيمتها، بحيث تُستخدم الأدوات الرقمية بنمو متزايد لتحقيق هذا الهدف في كامل العملية من المصدر إلى السوق. ومع نمو العمليات في سلسلة توريد النفط والغاز، وبما أن هذا القطاع اعتمد تقليديًا على الأنشطة اللوجستية مثل النقل والتخزين، ظهرت تحديات جديدة في هذه الصناعة. ومن جهة أخرى، تطرح ضرورة توفير الوقت والتكلفة بالتزامن مع هذا التطور والنمو ضرورة التحول والتوافق مع التقنيات الجديدة.
يمكن لرقمنة العمليات في هذا المسار بأكمله أن تكون استجابة لمعالجة النطاق الواسع من التحديات القائمة في سلسلة التوريد بأكملها، ويبلغ هذا الأمر من الأهمية حدًا يعدّ معه الخبراء عدم الاهتمام بالأدوات الرقمية مساويًا لتخلف هائل في السوق التنافسية الدولية لصناعات النفط والغاز في الدول المختلفة.
ولهذا قامت شركات النفط والغاز في العالم، نظرًا لآفاقها المستقبلية، باستثمارات لهذا الغرض؛ ويكفي أن التوقعات تشير إلى زيادة الاستثمار العالمي في تقنية إنترنت الأشياء في قطاع الطاقة حتى عام 2025م إلى رقم يعادل 59 مليار دولار، أي نحو 1.5 ضعف ما كان عليه في عام 2019.
استكشاف النفط والغاز والتحول الرقمي
يتأثر قطاع المنبع في سلسلة توريد النفط والغاز، أي تحديد المواقع والاستكشاف وإجراء الدراسات الجيولوجية والأنشطة الإنتاجية مثل الحفر في البر والبحر، كثيرًا بالتقنيات الجديدة. ورغم أن الابتكارات السابقة في هذا المجال كان لها أثر إيجابي في جعل العمليات أكثر كفاءة، فإن استخدام الحلول الرقمية مثل التصوير عن بُعد بواسطة المستشعرات يمكن أن يتيح للمشغّلين تحليل المناطق المناسبة للتطوير بدقة أكبر. ويُتوقع أن يحقق توظيف الأدوات الرقمية في هذه المرحلة من سلسلة التوريد مردودًا ملحوظًا؛ فبحسب التوقعات سيؤدي ذلك إلى توفير نحو 73 مليار دولار للشركات العاملة في صناعات المنبع للنفط والغاز في أوروبا.
ومن جهة أخرى، يمكن لاستخدام الأدوات الرقمية لتحليل البيانات الجيولوجية عن بُعد قبل الاستكشاف أن يحقق خفضًا ملحوظًا في الوقت والتكلفة. وتحظى تقنية الذكاء الاصطناعي في هذا الشأن بمكانة خاصة ولافتة، إذ يقدّر المحللون أن حجم سوق استخدام هذه التقنية سيتضاعف حتى عام 2024. ومن الأمثلة البارزة على توظيف الذكاء الاصطناعي في هذا القطاع في منطقة الشرق الأوسط شركة أرامكو السعودية، التي تستخدم أدوات برمجية تنبؤية لتحليل خصائص مواقع استكشاف النفط والغاز وتحديدها، في حين بدأت شركة توتال الفرنسية منذ عام 2019 برامج لافتتاح مصنع رقمي قائم على الذكاء الاصطناعي بهدف تسهيل الاكتشاف الميداني للنفط والغاز، وهي تواصل تطويره.
يُتوقع أن يحقق توظيف الأدوات الرقمية في هذه المرحلة من سلسلة التوريد مردودًا ملحوظًا، ومن جهة أخرى يرى المحللون أن الرقمنة ستزيد كمية النفط والغاز القابلة للاستخراج في العالم بنسبة 5 في المئة.
التحول الرقمي وقطاع الوسط في صناعة النفط والغاز
تشمل العمليات الوسطى في سلسلة توريد النفط والغاز تخزين المنتجات ومعالجتها ونقلها، وتعمل بوصفها وسيطًا بين المستهلك والمستخرج. ومع زيادة الطلب على النفط في العالم يتحمل هذا القطاع ضغطًا عاليًا ليتمكن من إرضاء المستهلكين والمنتجين.
يمكن لرقمنة قطاع الوسط في صناعة النفط والغاز أن تحسّن السلامة وقابلية تتبع الأنشطة، وتتيح بذلك زيادة السعة دون تعريض الأداء للخطر؛ فعلى سبيل المثال يمكن استخدام خط أنابيب أو محطة نقل عن بُعد وفي الوقت الفعلي لمراقبة حالة الإمداد وكذلك اكتشاف أي تسرب في خطوط الأنابيب لمنع الحوادث المحتملة. ونظرًا لأن كل مكون من المكونات المستخدمة لنقل النفط والغاز (مثل الصمامات والأنابيب و…) يمكن الآن أن يصبح ذكيًا، فإن لقطاع الوسط إمكانات عالية لزيادة الأداء والإنتاجية.
وفي الوقت الحالي، فإن ربط أجزاء البنية التحتية عبر توظيف تقنية البلوك تشين ومشاركة البيانات سيؤدي إلى زيادة الشفافية وقابلية التتبع. كما تستطيع أدوات الذكاء الاصطناعي المساعدة في اكتشاف التسربات وتحسين الإمداد وكذلك محاكاة المنتجات والبنى التحتية لتقييم أي مشكلة محتملة، وبمنع وقوع مثل هذه الحوادث والخسائر لا تستطيع الشركات تحسين الأداء فحسب، بل خفض التلوث البيئي أيضًا.
التحول الرقمي وصناعة البتروكيماويات
ستُحدث الرقمنة في صناعة البتروكيماويات والمصافي تحولات كثيرة تحتاج إلى اهتمام خاص، وفيما يلي ملخص لقدرة هذه التقنية على تغيير صناعة البتروكيماويات:
- تُلتقط الإشارات والبيانات فوريًا بمساعدة المستشعرات المتقدمة وتُحدَّث فورًا في قاعدة البيانات.
- تُتبادل البيانات المجمّعة وتُعالج بدقة عالية باستخدام تقنية التحليل المتقدمة.
- باستخدام الخوارزميات المخصصة والأتمتة تُتخذ قرارات مدروسة وتخطيطات أدق، ويقدّم التحليل المنجز على هذا الأساس، القائم على النماذج التنبؤية، رؤية أفضل لتحديد أفضل مسار للعمل.
- توجّه النتائج الناتجة عن تحليل البيانات والتنبؤات إمكانية اتخاذ إجراءات أفضل عبر عملية سير عمل منظمة.
لكن على وجه الخصوص يؤدي استخدام تقنية التوائم الرقمية دورًا مهمًا في أقسام التكرير والبتروكيماويات؛ فعلى سبيل المثال تتيح التقنية القائمة على الواقع المعزز المراقبة اللحظية وفي الوقت الفعلي للأصول المادية، كما يحقق استخدام تقنية التوأم الرقمي القائمة على تعلم الآلة تحسين الموثوقية والرقابة على وحدة البتروكيماويات، وتسهّل التوائم الرقمية القائمة على النموذج الهجين التخطيط الأسرع وتشخيص الأعطال.
التحول الرقمي: اتجاه لا يمكن كبحه في صناعة النفط والغاز والبتروكيماويات
تتجه صناعات النفط والغاز والبتروكيماويات في العالم بشكل متزايد نحو استخدام التقنيات والأدوات الرقمية؛ إذ كان لاستخدام إنترنت الأشياء وبرامج تحليل البيانات المتقدمة وتقنية التوأم الرقمي في هذه الصناعة، بتحسين العمليات وخفض وقت التعطل ومنع الأحداث المدمرة، أثر كبير في زيادة أداء الوحدات وخفض انبعاثات الغازات الملوثة. وفي الحقيقة أصبحت التقنية الرقمية اليوم أداة نجاح الشركات العاملة في هذا المجال، ولامتلاك حصة أكبر في هذه السوق يُعدّ التحرك في اتجاه الرقمنة التي لا يمكن كبحها أمرًا ضروريًا. فإن كنتم، بوصفكم قرّاء هذا المقال، تهتمون بتطوير هذه الصناعة في إيران بوصفها المحرك الرئيسي لاقتصاد البلاد، فيلزم أن تبدؤوا العمل الآن، لأن هذه القافلة لا تنتظر أحدًا!
المراجع:






