تحسّن التقنيات الرقمية طريقة عمل المؤسسات بشكل لافت، ويواجه منتجو الصلب في هذا السياق، بتطبيق التقنية الرقمية، فرصة كبيرة لتغيير نموذجهم التشغيلي؛ إذ لا يساعد ذلك في التنفيذ اليومي لعملية الإنتاج فحسب، بل يحسّن الكفاءة وهامش الربح وإدارة أداء الأصول.
التحول الرقمي تمنح مديري صناعة الصلب القدرة على اعتماد استراتيجيات الصيانة الوقائية . ويُعدّ استخدام هذا النوع من التقنيات مساعدة فعّالة في تحديد التغيرات الطفيفة في سلوك النظام، وهي أمور قد تكون إنذارًا مبكرًا بانخفاض أداء المعدات أو عطل محتمل، وسيكون تحديد المشكلات القائمة في النظام والإعلان عنها في الوقت المناسب بهذه الطريقة، مع استشراف المستقبل، مانعًا لوقوع أحداث مكلفة.
ورغم أن كل صناعة تستطيع بدورها الاستفادة من مزايا الرقمنة، فإننا نريد هنا، بالتركيز على صناعة الصلب بوصفها من الصناعات الأم، دراسة جوانب من استخدام هذه التقنية فيها.
التحول الرقمي: العامل الرئيسي لتقدم صناعة الصلب
إلى جانب الضغوط الناتجة عن الأحداث السياسية والاقتصادية الجارية في العالم على الصناعات المختلفة، يسعى المنتجون بشدة إلى حلول لتحسين الأداء، ومع ذلك فبسبب التقلبات الكبيرة في الأسعار وحالات عدم اليقين التي تواجهها الصناعات، قيّد كثير من المنتجين استثماراتهم في تنفيذ مشاريع جديدة، ما لم يكن العائد على الاستثمار سريعًا جدًا وبقيت فرص للاستدامة في بيئة الأعمال التنافسية اليوم. لكن نظرًا للتغيرات التقنية وأثرها في الصناعات المختلفة، اتجه كثير من المنتجين، ولا سيما في صناعة الصلب، بعد تجاوز فترة الركود، بتوجهات جديدة نحو الابتكار في العمليات المؤسسية، ولا سيما التحول الرقمي.
فعلى سبيل المثال، خفضت الصين في السنوات الأخيرة طاقتها الإنتاجية في صناعة الصلب للمساعدة في رفع السعر العالمي للصلب والتحرك في مسار الربحية، وبالطريقة نفسها استطاعت الولايات المتحدة، بتشديد شروط الاستيراد عبر تغيير التعريفات المعنية، رفع سعر الصلب أكثر من ذي قبل، بحيث وصل مؤشر سعر الصلب في أمريكا إلى نحو 170 في المئة أعلى من الصين و65 في المئة أعلى من أوروبا. وقد جعلت تكلفة الطاقة المنخفضة في هذا البلد وسوق الخردة الواسعة واعتماد سياسات استيراد صارمة أمريكا وجهة جذابة للاستثمار في الصلب، وأدت زيادة الطاقة الإنتاجية لمصانع الصلب وإعادة تشغيل كثير منها حاليًا إلى خلق 6700 وظيفة و12.9 مليار دولار من الاستثمارات الجديدة.
لكن السؤال هنا: كيف تعمل صناعات مثل صناعة الصلب، التي فقدت كثيرًا من قواها العاملة الماهرة في فترة الركود السابقة، الآن مع هذه الزيادة في الطاقة الإنتاجية والاستثمار؟ بالتأكيد لم تعد الأساليب السابقة مجدية، ولا يمكن أن يساعدها في إدارة أنشطتها بشكل أفضل إلا أمر واحد، وهو: «التقنيات الرقمية»
استخدامات الرقمنة في صناعة الصلب
أحدث استخدام تقنية الروبوتاتحاليًا تحولًا كبيرًا في صناعة الصلب؛ فبحسب الإحصاءات ينمو توظيف الروبوتات في هذه الصناعة عالميًا بنسبة 55 في المئة سنويًا، وتُستخدم بديلًا للأعمال اليدوية الموكلة إلى البشر والأنشطة عالية الخطورة. كما كان للذكاء الاصطناعي، كما في الصناعات الأخرى، أثره في قطاع الصلب؛ إذ إن إجراء التحليلات اللازمة في العمليات المعقدة لتحسين أداء الوحدة الصناعية، والتنبؤ بالمشكلات المتعلقة بالجودة أو سلامة المعدات قبل وقوع حادث غير مرغوب، والمساعدة في رفع مستوى جودة المواد، أمور حققت باستخدام هذه التقنية ربحًا ماليًا ملحوظًا وتحسنًا في العائد على الاستثمار في صناعة الصلب.
تنفّذ حاليًا الرافعات الآلية وعربات نقل المواد الأنشطة في صناعة الصلب بمستويات أعلى من السلامة والإنتاجية، وهي أمور كانت تعتمد سابقًا بدرجة كبيرة على القوى العاملة؛ فمن إدارة المستودعات إلى استخدام الرافعات الآلية المتقدمة، أدى ذلك إلى إلغاء الحاجة إلى المشغلين البشريين. ويساعد هذا الأمر إدارة الوحدة الصناعية على تخصيص مواردها البشرية لأقسام أخرى مطلوبة، وهي أقسام تتيح لإدارة المصنع الاستفادة بشكل أفضل من مهارات العاملين وخبراتهم في شغل المواقع الوظيفية التي كانت تواجه مشكلات سابقًا.
الرقمنة في صناعة الصلب وعائد استثمار ملحوظ
من المؤكد أن الوحدات الصناعية والشركات التي تكتشف الفرص في الوقت المناسب وتتخذ إجراءات عملية في اتجاهها تخلق لنفسها ميزة تنافسية تؤثر كثيرًا في نشاطها المستقبلي على المدى الطويل، وفي المقابل فإن من لا يلتفتون إلى هذه الأمور سيواجهون حتمًا خطر التخلف عن منافسيهم.
من التقنيات التي يمكن توقع عائد استثمار ملحوظ منها في صناعة الصلب استخدام الرافعات الآلية والذكية، ويظهر هذا الأمر أكثر خصوصًا حين نأخذ في الاعتبار قدم المعدات في معظم وحدات إنتاج الصلب وغياب التقنيات المتقدمة.
تُستخدم معظم الرافعات في هذه الصناعة منذ أكثر من 30 عامًا، وتوجد رقابة محدودة على التقنيات البدائية المستخدمة أثناء الإنتاج، وهو ما يجعل لصناعة الصلب إمكانات ملحوظة لتحسين الكفاءة والأداء والإنتاجية والسلامة ومنع تراجع جودة المنتج وطول مدة توقف المعدات، وهي نقطة تضع التحرك نحو استخدام التقنيات الرقمية الحديثة في درجة عالية من الأهمية. وبحسب التوقعات، يؤدي جعل هذا القسم ذكيًا وتوظيف التقنية الرقمية فيه، بإزالة مشكلات نقل المواد، إلى زيادة تقديرية في المردود بين 50 و60 في المئة.
التحرك نحو الرقمنة بنهج تدريجي
ستشهد الشركات التي تخلق لنفسها مزايا جديدة باكتشاف الفرص في عالم اليوم شديد المنافسة استدامة طويلة الأمد، وستكون زيادة الربحية وتحسين الأداء بالتأكيد أمامها، لكن التحرك في هذا المسار واستخدام التقنيات الجديدة، ولا سيما الرقمنة، يحتاج إلى حركة تدريجية وذكية، ويُعدّ إعداد استراتيجية واقعية ما ينبغي أن تهتم به الإدارة للنشاط الفعّال طويل الأمد في هذا الشأن.
ومهما يكن، فمع الاتجاه الحالي ينبغي أن تبدأ الصناعات المختلفة التحرك في هذا المسار أسرع من أي وقت مضى، والأفضل أن يتم هذا المسار بمرافقة مستشارين وشركات موثوقة ذات سجل لامع. والاختيار لكم: التوقف والتحرك نحو الفشل الاقتصادي، أو تغيير المسار السابق والدخول إلى عالم المفاجآت التجارية!
المصادر:






